حسن الأمين

334

مستدركات أعيان الشيعة

الموكب احدى المدن أو القبائل العربية التي تنزل على ضفاف النهر يأمر بالوقوف ، وينزل هو وأصحابه ، ويجمع الناس ، ويحثهم على الجهاد ، حتى وصلوا العمارة . وهناك أمر بالاجتماع العام في مسجدها الجامع وألقيت الخطب الحماسية من قبل بعض المجاهدين . ثم قام بنفسه ورقى المنبر وحث الناس على الجهاد ، وحرضهم على التضحية والثبات ، وأمرهم برص الصفوف ، وتوحيد الجهود أمام العدو المتربص ورغبهم في الشهادة والسعادة ، وحذرهم مغبة الفرقة والتخاذل ، وشوقهم إلى ثواب الله ورضاه ، فاستجابوا للنداء ، والتحق به خلق كثير . ثم سار مع جموع المجاهدين إلى منطقة « العزير » واجتمع هناك بالقائد العسكري « جاويد باشا » ، وتفاوض معه حول القضايا الهامة التي تتعلق بخطط الحرب وشئون القتال . وكانت الحرب في ذلك الوقت قائمة في « القرنة » وهي القلب ، فقصد بمن معه ساحة الحرب ، وفي أثناء الطريق صادف اندحار الجيش العثماني وانسحابه من منطقة القتال ، ورجوع بعض القبائل التي كانت تحارب معه ، وسقوط القرنة بيد العدو . فأشار بعضهم عليه بالرجوع إلى العمارة لأنها مركز القوة وموطن العشائر ، فوافق على ذلك وعاد إلى العمارة . وبقي في العمارة يكاتب القبائل ، ويحرض العشائر ، ويبعث الرسل والدعاة إلى سائر الأطراف يأمرون الناس بالخروج ، فكان الناس يفدون على العمارة زرافات ووحدانا ملبين نداء الواجب ، وعازمين على لقاء العدو ، ثم يتوجهون إلى الميدان . وبعد أن أعد العدة ، وهيا الجو ، أبرق إلى العلماء : شيخ الشريعة والكاشاني والداماد وغيرهم وكانوا حتى هذا الوقت مقيمين في الكاظمية - وطلب منهم التوجه إلى العمارة مع أصحابهم المجاهدين ، كما أبرق إلى أهالي بغداد وعلمائها - الذين تأخروا عنه بسبب انشغالهم بفيضان دجلة وانكسار بعض سدودها - يحثهم على التوجه إلى سوح الجهاد . وبعد اثني عشر يوما من قدومه العمارة ورد العلماء ومن معهم إليها . وفي تلك الآونة عزل القائد الأول « جاويد باشا » وعين مكانه القائد « سليمان عسكري بك » . ولما تكاملت جموع المجاهدين في العمارة ، وعبئت القبائل تحرك إلى ساحة الحرب - وكانت قريبة من القرنة قبل بقية العلماء ، ونزل في مقر القيادة العسكرية . ثم أبرق إلى العلماء الذين تركهم في العمارة ، وطلب منهم اللحوق به فلبوا طلبه . وقد توزع المجاهدون بقيادة العلماء على الجبهات المتعددة : أما القلب وهو « القرنة » فقد رابط فيه السيد مهدي مع العلماء : شيخ الشريعة الاصفهاني ، والسيد مصطفى الكاشاني ، والسيد علي الداماد ، والسيد عبد الرزاق الحلو وغيرهم ، ومعهم جموع غفيرة من المجاهدين والقبائل المرابطة . وأما الجناح الأيمن وهو « الشعيبة » فقد رابط فيه السيد محمد سعيد الحبوبي ، والشيخ باقر حيدر ، والسيد محسن الحكيم وغيرهم ومعهم خلق كثير من المجاهدين والقبائل المقاتلة . وأما الجناح الأيسر وهو « الحويزة » فقد رابط فيه الشيخ مهدي الخالصي ، ومعه ولده الكبير الشيخ محمد ، والشيخ جعفر [ ] والشيخ راضي ، والسيد محمد نجل السيد كاظم اليزدي ، والسيد عيسى كمال الدين وغيرهم ، ومعهم عدد غفير من المجاهدين . ثم قرر ان يتقدم إلى الخطوط الأولى فركب سفينة أعدت لذلك ، وسارت معه بعض القبائل كربيعة وبني لام بسفنهم ، وتخلفت عنه بعض القبائل الأخرى ريثما تتهيأ للسفر ثم تلتحق به في اليوم الثاني . ولما أدركهم الليل رست السفينة ، على الساحل ، وأمر أصحابه بالنزول ، في ارض تسمى « حريبة » وهي من الأراضي الوعرة . فنزلوا فيها ، وضربوا خيامهم على حافة النهر من جانب القرنة ، وباتوا تلك الليلة وهم لا يعلمون موقعهم من الجيش العثماني ، هل أنهم متأخرون عنه أم متقدمون عليه ، وأما قبيلتا « ربيعة وبني لام » فإنهم قد حطوا رحالهم قبل أرض « حريبة » حيث أدركهم الليل هناك . ولما أسفر الصبح خرج ولداه السيد أسد الله والسيد أحمد ليستكشفا حقيقة المكان . فبينما هما كذلك إذ لاحت لهما طلائع العدو ، وظهرت لهما بواخره النهرية ومدافعه ومعداته الحربية ، وقد بدأ - بقوة هائلة - بهجوم عنيف مفاجئ على بشكل رهيب لا قبل للجيش العثماني بصده ، . ثم اشتبك الجيشان ، واحتدم القتال من قبل طلوع الشمس إلى ما بعد زوالها . وقد رست بواخر الإنكليز بإزاء سد كان قد صنعه القائد السابق « جاويد باشا » وقطع به نهر دجلة . وكانت خيام السيد مهدي وأصحابه متقدمة على الجيش العثماني بنصف فرسخ بحيث كانت قريبة من العدو ، وبمرأى منه ومشهد وصمد ومن معه واشتبكوا مع الإنكليز وصدوهم في 5 ربيع الثاني سنة 1333 في المعركة التي عرفت باسم معركة ( نهر الروطة ) . وبقي السيد مهدي وباقي العلماء وجموع القبائل مرابطين في تلك الجبهات مدة أشهر وكان الإنكليز في هذه المدة يعدون العدة للهجوم ثانيا على تلك المراكز في جميع الجبهات ، بقوة هائلة لا قبل لهم بها . فركزوا هجومهم أولا على الجناح الأيمن في الشعيبة وانتصروا فيه . ثم وجه الإنكليز قوتهم الكبيرة إلى الجناح الأيسر في الحويزة وانتصروا هناك . ولما فرغوا من الجناحين توجهوا إلى القلب ، حيث يرابط السيد مهدي ، وجماعة من العلماء ، وجموع من المجاهدين ، ومعهم القوات العسكرية العثمانية ، فهاجمهم الإنكليز وانتصروا عليهم ثم انسحب القائد العثماني العام نور الدين بك بجيشه . وأعدت للسيد مهدي وبقية العلماء وأصحابهم باخرة خاصة من بواخر الجيش ، وقد ضم إليها مركبان ، أحدهما في اليمين والآخر في اليسار ولم يكن فيها من الوقود ما يكفي لمثل هذه الرحلة الشاقة ، وما يوصلهم إلى مأمنهم ،